أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

288

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

الشياطين ؛ بدل البعض من الكلّ . كقولك : القوم قالوا : زيد وعمرو . انتهى . وفي جعلهما بدلا من الشياطين نظر لا يخفى من حيث إنّ النحويين نصّوا على أنّه يمتنع البدل في نظيره لعدم المطابقة ، وأوجبوا القطع حينئذ ، وجعلوا من ذلك قول النابغة الذبياني « 1 » : [ من الطويل ] توهّمت آيات لها فعرفتها « 2 » * لستّة أعوام وذا العام سابع رماد ككحل العين لأيا أبينه « 3 » * ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع قالوا : فرفع « رماد ونؤي » على إضمار مبتدأ ، ولم ينصبا بدلا من آيات لعدم المطابقة ، وهذا له موضع تحقّق فيه « 4 » . وقوله فيه : إنه يدلّ على بعض من كلّ كالجواب عن الاعتراض الذي ذكرته ، لكنه لا يصحّ لما قدّمته من نصّ النحويين . قيل : واشتقاق اللفظة من الهرت وهو سعة الشّدق . ومنه قولهم : فرس هريت الشّدق . وأصله من هرت ثوبه : إذا شقّه فاتّسع . ومنه الحديث : « أكل كتفا مهرّتة » « 5 » أي ممزّقة من النضج . وقيل : إنما هو « مهرّدة » . قال الكسائيّ : يقال : لحم مهرّد : إذا نضج . والمهرّأة مثله . قلت : فيجوز أن تكون الدال هي الأصل ، والتاء مبدلة منها لتقاربها . ولذلك حكي : هرد ثوبه وهرته : إذا شقّه . وعندي أنّ ادّعاء الاشتقاق في هاروت من ذلك لا يصحّ لما قدّمته غير مرة من أنّ الإشتقاق لا مدخل له في الأعجميات « 6 » . وهذا نظير ما فعلوه في إبليس وآدم ويعقوب ونحوها . ه ر ع : قوله تعالى : يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ « 7 » أي يساقون سوقا بعنف . وقال ثعلب : يستحثون .

--> ( 1 ) الديوان : 43 . ( 2 ) توهمت : تفرّست . ( 3 ) ورواية الديوان : ما إن تبينه ، وجاءت فيه كذلك رواية النص . جذم الحوض : باقيه وأصله . خاشع : لاط بالأرض . أثلم : مكسّر . ( الديوان : 43 ) . ( 4 ) على أنه يجوز أن يكونا بدلا من « آيات » التي هي علامات ، فمنها رماد ، ومنها نؤي . . . ( 5 ) النهاية : 5 / 257 . ( 6 ) يجوز الاشتقاق من الأعجميات إذا جاءت الألفاظ على وزان العرب مثل تزندق من زنديق . ( 7 ) 78 / هود : 11 .